زيارة منتدانا: http://muntada.sawtalummah.com
صوت الأمة


لا تزال الولايات المتحدة تدير الصراع في المنطقة بين أنظمة الحكم من جهة وبين الجماهير المنتفضة، حيث قلبت المعادلة من صراع ضد أنظمة الحكم العلمانية الاستبدادية إلى صراع يقوده عملاؤها ضد الإسلام وهي ماضية في السيطرة على الأوضاع في بلاد المسلمين لإبقائها خاضعة للنفوذ الغربي ومحكومة بأنظمة الكفر العلمانية. لقد كان مشروع حكم الإسلاميين في المنطقة حلاً مؤقتاً وإسعافاً أولياً لاحتواء الانفجار الجماهيري المفاجئ في قوته وإرادته نحو التغيير، ولم يكن حلاً نهائياً لأن الهدف من مشروع الشرق الأوسط هو إبطال فاعلية الإسلام في المجتمع من خلال النظام الديمقراطي الذي يدمج الإسلاميين "المعتدلين" في الحياة العلمانية والحكم، ويقصي التنظيمات "الراديكالية" ويبقي إدارة الحياة السياسية في يد رجالات أمريكا بالتفاهم مع القوى الإسلامية بحيث تبدو الأنظمة الجديدة منبثقة عن إرادة الأمة. لقد كانت الولايات المتحدة تُعدّ لتغيير الأنظمة وتدرب وتمول كوادر شبابية تؤمن بطريقة الغرب في الحياة من أجل مستقبل أفضل ليس لشعوب المنطقة وإنما للمصالح الغربية والأمريكية على وجه الخصوص، وقد كانت تأمل أمريكا أن يتولى الجيل الجديد مقاليد الحكم لتفريغ الاحتقان السياسي للمجتمعات العربية بالانتقال الطبيعي للسلطة من يد الجيل الهرم المستهلك الذي بات بقاؤه في الحكم يهدد المصالح الغربية إلا أن عصيان الحكام وتمردهم على إرادتها قادها لاعتلاء حركة التغيير القسري التي خرجت عن سيطرة القوى السياسية التي دعت للتظاهر وأوجب على الولايات المتحدة السير مع تطلعات الشعوب والتجاوب مع ميلها للحكم الإسلامي فقامت بتذليل العقبات أمام الإخوان المسلمين بعد الاتفاق معهم على نمط الحكم والملفات الإقليمية وطلبت من عنان وطنطاوي تسليم السلطة لمرسي وفرضت السيسي من بعد وزيراً للدفاع في حكومة قنديل، ثم شرع عملاؤها بوضع العراقيل وإثارة الأزمات أمام حكم الإخوان ليتخذوا من تعثرهم في إدارت الأزمات ذريعة للهجوم على الإسلام وحكم الإسلاميين.

ففي مصر كما في باقي بلدان "الربيع العربي" تمكنوا على مدار عام من شيطنة الإخوان وتشويش صورة الإسلام في أذهان الناس حتى بات من الصعب استمرار حكم الإخوان الذي كان قاصراً عن إدراك سبب إخفاقه وهو: عدم وضع الإسلام موضع التطبيق في الحياة والدولة والمجتمع إنفاذا لإرادة السواد الأعظم من الناس، واكتفاء الجماعة على وجود تنظيمهم في الحكم ممثلاً بالرئيس وبعض المواقع في الدولة، وثقتهم بأمريكا التي بيدها وسائل إسناد السلطة من جيش وقضاة وإعلام، مضافاً إلى ذلك دخولهم الصراع مع القوى العلمانية بأدوات لا تمكنهم من كسب الصراع، فقد قبلوا ببقاء أجهزة الدولة كما هي ورجال الحكم البائد في مواقعهم خصوصاً في أجهزة القضاء وقيادة الجيش والدوائر الأمنية ولم يباشروا بتغيير العقيدة القتالية للجيش وواجبات قوى الأمن لإبطال مفاعيل المؤامرات التي يحيكها الغرب وعملاؤه لبسط نفوذهم، كما قيدوا أنفسهم بقواعد وآليات العمل السياسي وفق الديمقراطية التي أتاحت المجال للقوى العلمانية والكنيسة القبطية فرض إرادتها وعرقلة إقرار الدستور برغم تناقضه كلياً مع الإسلام وذلك من خلال مفهوم التوافق مع قوى المجتمع وطوائفه وتياراته بما فيهم الوسط الفني القذر الذي لا هم له غير إفساد الذوق العام في المجتمع.

وفي المحصلة، وجدت أمريكا الوقت متاحا لترجيح كفة القوى العلمانية على الإخوان والعودة إلى المشروع الأصلي وهو إدماج القوى الإسلامية في الحياة العلمانية كحزب النور السلفي وغيره وقمع المخالف للترتيبات الجديدة، لكن الإخوان وجدوا بذلك خذلاناً لهم من الأمريكان وانقلاباً على الاتفاق بعدما تسلحت أمريكا بالرأي العام المصطنع والجو العام الناقم على الإخوان وحكمهم، فتمسكت الجماعة بموقفها ورفضت التنازل عن إدارة العملية الانتقالية بمصر رغم أنها ترسخ علمانية الحياة والدولة والمجتمع عملياً ودستورياً، ووجدت الجماعة أن خضوعها لرأي الأقلية العلمانية والمسيحية واستبعاد أجندتها "الهجينة فكرياً" سيقوض شعبيتها التي هي سر قوتها ومركز تنبهها بصرف النظر عن تقويض القوى العلمانية للمشروع الإسلامي الذي تتطلع إليه جماهير الأمة وظلت متمسكة بموقفها ومنهجها بدل أن تحصن نفسها ومشروعها بحمل الأمة لمواجهة القوى العلمانية والدولة العميقة وتفرض على الأرض واقعا يرغم القوى الدولية على قبوله والتعامل معه بدل أن يفرض عليها وعلى الأمة واقع يفقدها موقعها ويضيع مكتسبات الأمة على صعيد انطلاقها نحو التحرر والنهوض، لذلك سارع الجيش لتنفيذ انقلابه بتوجيه من أمريكا لإخضاع الجماعة للسير وفق المشروع الأصلي لكن الجماعة استقوت بعناد جماهيرها واستعدادهم للتضحية واستغلت التردد الذي يشوب مواقف الإدارة الأمريكية بشأن قضايا المنطقة من أجل إعادة مرسي للحكم، وراحت توظف رصيدها الجماهيري في الضغط من أجل هذا الهدف الذي لا قيمة له على صعيد الصراع من أجل قضية الإسلام لأن غاية الإخوان من الصراع هو الحكم وليس تطبيق الإسلام، وما الحديث عن التدرج في تطبيق الشريعة إلا ذر للرماد في العيون بدليل قبول الجماعة قاعدة التوافق على الدستور وإقامة الدولة المدنية بالرغم من قدرتها على حشد الملايين في الميادين وفرض إرادتها على سائر فئات المجتمع ، وهذا يدل على عدم توفر الإرادة لتطبيق الإسلام إن في الحاضر أو في المستقبل.

وبعد إصرار الإخوان على مطلبهم وخشية أعداء الأمة من أن يصبح إنفاذ إرادة المسلمين سابقة وعرفاً عاماً، قررت أمريكا كسر إرادة الأمة وإذلال قادة الجماعة الذين تمردوا عليها فكانت جريمة فض اعتصامي رابعة والاتحادية رسالة واضحة للحركات الإسلامية في مصر والمنطقة كما هي رسالة قوية للشعوب بأن لا يتجاوز طموحها تحسين ظروف تبعيتها للغرب وليس التحرر على أساس الإسلام. ولا يتوقع تراجع أمريكا عن المضي قدماً في المشروع الأصلي وهو إدماج كافة القوى السياسية في العملية الديمقراطية في المنطقة برمتها على أن تكون اليد الطولى في الحكم للقوى العلمانية وليس للإسلاميين بسبب التبعات الفكرية والسياسية التي تترتب على وجود الإسلاميين في الحكم وضرره على علمنة فكر المجتمع والدولة، ولهذا دعمت أمريكا إيجاد الثقافة الديمقراطية في المجتمع بالممارسة العملية وانخراط الجماهير في العمل السياسي على أساس قيم الغرب ومفاهيمه عن الحياة والتضحية من أجلها.

"...وهذا يدل على عدم توفر الإرادة لتطبيق الإسلام إن في الحاضر أو في المستقبل."

ومن أسباب إقصاء أمريكا لحكم الإخوان في مصر هو التعاطف والتأييد الشعبي لنمط الحكم الإخواني الذي روّع حكام السعودية والخليج بسبب تأييد الأوساط الدينية الخليجية التي رأت في مرسي نموذجاً يحترم في الحاكم المسلم الملتزم المدافع عن أهل السنة عندما افتتح خطابه في زيارته لإيران بالثناء على الصحابة أبو بكر وعمر وهو ما لم يجرؤ عليه أي ممن يزعمون أنهم رعاة لأهل السنة، وقد اعتبر حكام الخليج جرأة مرسي في إيران مزاحمة لهم في ولاية الاتجاه السني في العالم الإسلامي وعمل موجه ضدهم لأنه لاقى استحسان الأوساط الدينية التي تغذي شرعية حكمهم خاصة النظام السعودي الذي يزعم أنه يحكم بموجب البيعة، كما وجد حكام الخليج أن منح الشعب المصري حرية اختيار الحاكم خطر على مفهوم الحكم في الدول الخليجية التي لا شرعية لها سوى الدعم الغربي الذي بات لا ضمانة له في نظرهم بعد قذف أمريكا عملائها في تونس وليبيا ومصر واليمن إلى مزابل التاريخ، ولهذا انحازت أمريكا إلى خيار إسقاط الإخوان لتهدئة روع الأنظمة الخليجية التي تجدف في اتجاه معاكس للمشروع الأمريكي في المنطقة بالسر والعلن خشية أن يسقطها، لذلك كان إشراك أمريكا السعودية والإمارات في إسقاط حكم الإخوان وزيارة ملك الأردن لقادة الانقلاب هو من اجل طمأنة زعماء المنطقة الذين هالهم تفريط أمريكا بأخلص عملائها وهو حسني مبارك، بالإضافة إلى أن مصر تحت حكم الإخوان ليست مؤهلة للعب الدور المطلوب في ملف تصفية القضية الفلسطينية الذي وضع مجدداً على طاولة الفصل خصوصاً مع تبلور الموقف من النظام السوري ومستقبل بشار الأسد ومجيء روحاني إلى الحكم في إيران.

أما مسار الأزمة في مصر فهناك إصرار على إخضاع الإخوان وليس استبعادهم كلياً عن المشهد السياسي لأجل احتواء الجماهير الغاضبة في هذه المرحلة، ورهان الأمريكان هو القبضة الحديدية عن طريق السيسي وتغييب قيادات الصف الأول من الإخوان ومحاولة التفاهم مع تيارات أقل تشدداً في الجماعة إن لم يقتنع قادتها الكبار، وسوف يبقى القمع مستمرا للجماعة بهدف إخضاعها قسرا وسوف يستمر ترويع الناس والتضييق عليهم لتيئيسهم وتنفيرهم من فكرة التحرر وانفراد حكم الإسلام والإسلاميين بالحياة والدولة والمجتمع بالاضافة إلى دق إسفين في المجتمع لإضعافه من خلال بث العداوة والبغضاء بين مكوناته ومؤسساته خاصة مؤسسات الجيش والأمن لتهيئة الدولة للتفكك والفوضى في حال فشل عملائها من النجاح والسيطرة على الوضع . في حين لا تجد أمريكا صعوبة في إملاء ما تريده على حزب النهضة بتونس لأن قادة النهضة أقرب إلى الغرب في تفكيرهم وأطوع في يد أمريكا من نظرائهم في مصر ومن المنتظر أن تقوم حركة النهضة بإعادة تموضعها السياسي بما يلبي مسار العملية السياسية في تونس ومصر ويضغط على الحالة الليبية المستعصية أمام الديمقراطية والدولة المدنية، كما يخدم استقرار الوضع السياسي في الجزائر التي أثار تسونامي "الإسلام السياسي" مخاوف حكامها بعد أن ضرب المنطقة وأسقط بعض انظمتها .

أما الموقف السياسي في المنطقة على المستوى الدولي فلا يوجد من يزاحم أمريكا على النفوذ في الشرق الأوسط برغم الغطاء الدولي الذي توفره روسيا للنظام السوري، فروسيا تعلم أن الكلمة الفصل في المنطقة والعالم هو للولايات المتحدة، ولكن أمريكا لا تمانع من الظهور الإعلامي لروسيا في القضايا الدولية التي تجلب عليها العار والسخط وتضعها في مواقف قذرة إنسانياً كما هو حالها من الصراع في سوريا، كما تستثمر أمريكا الموقف الروسي المعطل للحلول الدولية لإظهار مجلس الأمن عاجزاً عن حل القضايا الدولية خصوصاً ذات الطابع الإنساني أو المتعلق بقضايا تحظى بالتأييد العالمي كدعم الديمقراطية من أجل تبرير الخروج على مجلس الأمن لإنفاذ إرادتها متى شاءت دون اعتراض دولي، وهو ما يسقط قيمة الفيتو الذي تتسلح به الدول التقليدية الكبرى، خصوصا وأن مجلس الأمن لم يعد يعبر عن الموقف الدولي منذ انفراد أمريكا في قيادة العالم سنة 1990، وهي تستغله في حال الاتفاق مع القوى الكبرى على ما يخدم مصالحها وتسعى لتشويه صورته في حال اختلافها مع القوى العظمى لتبرير خروجها عليه وممارسة قيادتها للعالم دون مزاحم.

فلا يوجد تأثير حقيقي لروسيا على سير الأحداث في سوريا كما يتوهم البعض لأن حضورها لا يتعدى الحضور الإعلامي وتأثيرها لا يتخطى حدود ما تسمح به الولايات المتحدة، وأما إعاقة روسيا لبعض الأعمال الغربية ضد النظام السوري من خلال مجلس الأمن فلا يعني وجود تأثير حقيقي لها وإنما يعني أن أمريكا لا تمانع من عرقلة حركتها في الأزمة السورية لأن ذلك ما تريده لتبرير موقفها أمام الشعوب العربية وتثير السخط على روسيا ومجلس الأمن بدل السخط عليها وعلى سياستها، فضلاً عن استفادة أمريكا من تعطل "الربيع السوري" على يد روسيا لإنهاء بعض الملفات ذات الصلة من مثل توريط إيران المستقوية بالموقف الروسي واستنزافها سياسياً واقتصادياً بما يدعم الاتجاه الإصلاحي في الداخل الإيراني ضد المحافظين ويضع كذلك حداً لطموحات إيران الإقليمية المعيقة لمشروع الشرق الأوسط خاصة في ملف التسوية واستقرار المنطقة، بالإضافة لاعتبارات تتعلق بقوى المعارضة السورية المقاتلة التي ترفع شعار الإسلام والتي ينذر فوزها بالحرب ضد الأسد بخطورة على استقرار المنطقة وصياغتها وأمن إسرائيل ويعطي شرعية لتلك التنظيمات في البقاء وفرض شروطها في بناء النظام القادم، كما سيعطي قيمة للجهاد ويعظمه في ثقافة المجتمع والأجيال القادمة التي يراد لها أن تعيش طريقة الغرب في الحياة ونبذ تاريخها وثقافتها الأصيلة، خصوصاً أن التجربة الليبية لم تعط مثالاً إيجابياً لما كان يتطلع إليه الغرب بعد الإطاحة بالقذافي، لذلك تتيح أمريكا المجال لروسيا في إعاقة الحل العسكري على المسار السوري ومنح مساحة أوسع للتحرك السياسي بما يضمن انتقال السلطة الى يد المعارضة السياسية العميلة بدل الحسم العسكري الذي يحدث فراغا في السلطة تملؤه القوى الإسلامية "المتطرفة" المهيمنة على الأرض فتعيق بناء الدولة المدنية وعلمنة المجتمع.

لكن الحقيقة هي أن روسيا لا نفوذ لها في المنطقة بل فقدت تأثيرها في مجالها الجيوستراتيجي في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وظهورها الدولي لا يتجاوز الحضور الإعلامي في بعض القضايا الدولية التي ما تلبث أن تنسحب منها عندما تقرر أمريكا اتخاذ خطوات جدية فيها كما حصل سابقاً في قضية يوغوسلافيا وكذلك في قضية الضربة التي كادت أن تحصل ضد سوريا ونجت منها بجبن بشار الأسد وخضوعه، واستدعاء روسيا للعب دور في بعض القضايا الدولية هو معطل لفاعلية بريطانيا وفرنسا فيما لو تطلعتا إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية أو تجاوزتا ما هو مسموح لهما القيام به. كما أن إشغال الدول التقليدية الكبرى ببعض القضايا الدولية دون القدرة على الحسم فيها إلا بتدخل أمريكا يكرس الزعامة السياسية للولايات المتحدة على العالم ويجعل من الدول الأخرى دولاً ثانوية في المسائل الدولية. وعليه فإن ما تقوم به روسيا من دور في الملف السوري لا يتصادم مع إرادة أمريكا بل ينسجم مع الخطوات التي تسير بها لتغيير النظام السوري ومنها نزع السلاح الكيماوي من الجيش، وقد حققت ذلك بإذعان بشار لإرادتها بعدما اتخذت أمريكا خطوات عملية على الأرض من خلال تحريك قطعها البحرية قبالة السواحل السورية متخذة من حادثة الغوطة وأزمة السلاح الكيماوي ذريعة لهذا الهدف وتوظيفه أيضا للتأكيد على جديتها في معاقبة من يمتحن إرادتها في القضايا الاستراتيجية، ولا يقال هنا كيف تتواطأ روسيا على مصالحها لحساب الولايات المتحدة، لا يقال ذلك لأن روسيا ليس لها نفوذ او مصالح كبرى في الشرق الأوسط بموجب اتفاق سنة 1961 بين خروتشوف وكينيدي، ولكنها تطمح بتحقيق مكاسب سياسية او اقتصادية في مناطق نفوذها في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق كما تأمل أن يتجنب الغرب إثارة المشاكل لها داخل الاتحاد الروسي لقاء خدماتها لأمريكا في القضايا الدولية كالأزمة السورية ذات العلاقة بالمصالح الأمريكية على صعيد صياغة الشرق الأوسط، ولهذا نجد مثلا سماح أمريكا للفائز في الانتخابات الجورجية مؤخرا الإعلان عن نية حكومته التقارب مع روسيا التي تعنيها جمهورية جورجيا على مستويات عدة منها وقف تدفق الدعم للمقاتلين الشيشان وقد اعترف في وقت سابق وزير خارجية روسيا سيرجي لافرورف صراحة أن النظام السوري هو صديق للغرب أكثر من روسيا ، مما يدل على أن روسيا تقوم بدور في الأزمة يخدم مصالح أمريكا مقابل تحقيق مصالح لروسيا في قضايا تمسها.

إن استعداد النظام السوري للتفريط بالسلاح الكيماوي يدل على تخلي نظام الأسد عن سياسة التنقل بين تهديد المصالح وتأمين المصالح التي اتخذها وسيلة للحفاظ على بقائه خصوصاً بعد التجريف السياسي الذي تقوم به الولايات المتحدة فيما يسمى بالربيع العربي، كما يدل على استسلامه ورضوخه للخروج الآمن بعد انقضاء فترة رئاسته منتصف العام القادم ما لم يتطلب بقاؤه مدة أطول لتمهيد الطريق أمام نظام موال لأمريكا، وفي هذه الأثناء تكون الولايات المتحدة قد أعدت نظاماً توافقياً بين كافة أطياف المجتمع وتياراته الفكرية والسياسية يمنع وصول من يسمون بالقوى الراديكالية إلى الحكم.

وتغيير النظام في سوريا سيكون فتحاً سياسياً لأمريكا على صعيد مشروع الشرق الأوسط الجديد لأن المانع من تمرير عملية سلام متكاملة مع اليهود قد انتفى باستعادة سوريا إلى الحظيرة الأمريكية بعدما انفلت نظام بشار من عقاله خصوصا بعد إذلاله وإخراجه من لبنان، لقد كان النظام السوري الطائفي يبرر وجوده وبقاءه بشعار الممانعة والمقاومة التي تطلبت منه احتضان التنظيمات المسلحة ودعمها لعرقلة مشروع التسوية في المنطقة واستخدامها كورقة للتلاعب بها على حبال المصالح الغربية لضمان بقائه في الحكم، وإعادة صياغة النظام السوري من قبل أمريكا على أساس التوافق الديمقراطي ومفاهيم السلام وحسن الجوار سيجعل من شعارات الممانعة والمقاومة جزءا من الماضي وسيفتح الطريق أمام تسوية قضية الجولان إلى جانب باقي القضايا ذات الصلة بمسار التسوية في المنطقة ومنها قضية الأكراد التي تعيق الترتيبات السياسية في تركيا وتأهيلها للانضمام إلى أوروبا بالإضافة إلى تفكيك التحالف مع نظام المالكي وحزب الله الذي فرض واقعا سياسيا مكن إيران من نفوذ يقوي موقفها الإقليمي ويجنبها الإذعان لإرادة أمريكا عند تضارب المصالح في الإقليم خصوصا في البعد المذهبي والقومي الذي يهدد استقرار المنطقة سياسيا، أما ما يتراءى للبعض من احتمال بقاء بشار في السلطة بعدما تنفس الصعداء بعدول أمريكا عن ضربه عسكريا، فليس صحيحا، لأن بقاءه سيخل بالأساس الذي يقوم عليه مشروع الشرق الأوسط كما سيعيد لإيران حساباتها السياسية ويبقيها مصدر قلق على مستقبل المنطقة التي تمثل الركيزة الأهم في زعامة أمريكا وتفوقها الاقتصادي على العالم، كما لا نتوقع أن يتمرد بشار على إرادة أمريكا مجددا بعدما أصبحت تجف الروافد الإيديولوجية والسياسية والعسكرية لبقائه خصوصا أنه يمتاز بالجبن وسرعان ما ينبطح عندما يشعر بجدية أمريكا في معاقبته كما حصل في إخراجه ذليلا مهانا من لبنان. وأما تظاهر السعودية بالغضب والحرد عن تسلم موقعها في مجلس الأمن فإنها تعبر عن عدم رضاها عن سياسة أمريكا في مشروع الشرق الأوسط الجديد لأنها ستبدو معزولة في وسط عالم من الحرية والديمقراطية من حولها وكأنها نظام فظ غليظ يعيش خارج التاريخ ومن شأن ذلك أن يؤجج السخط الشعبي والمطالبة بالتغيير للتنعم بالربيع الذي هبت نسائمه على شعوب المنطقة كما يشاع، لذلك قامت مع الإمارات بدعم الدولة العميقة في مصر وكافة القوى العلمانية في دول "الربيع العربي" لتعكس الصورة في ذهن مواطنيها عن مفهوم التغيير الذي سقطت أوراقه في الربيع. ولكنها وهي تقدم احتجاجها لأمريكا إنما تقدمه بصورة تخدم مصالح الولايات المتحدة، فاعتراضها على التعامل الليّن بدل العصا الغليظة مع بشار وإيران في هذا التوقيت بالذات وهو وصول روحاني للحكم في إيران ومغازلته أمريكا وإسرائيل بالإضافة إلى إذعان بشار لإرادة أمريكا من شأنه أن يعزز التقارب المطلوب من إيران وسوريا مع الولايات المتحدة ويوفر لبشار وروحاني غطاءا سياسيا وانتصارا دبلوماسيا على السعودية ومعسكر السنة أمام الرأي العام في بلدانهم، باعتبار السعودية وأهل السنة هدفا لأعمالهم السياسية الخارجية. وهذا يسير على قاعدة إخراج الجميع منتصرا وفق الفلسفة الأمريكية لا سيما في التعامل مع عبد آبق كبشار الأسد من أجل إعادته الى الحظيرة والتخلص منه في الوقت المناسب بعد الاستفادة منه في ملفات المنطقة خاصة الملف اللبناني.

أما فرنسا وبريطانيا فإن أمريكا أسندت لهما مهمات دولية تلبي رغباتهما في لعب دور خارج حدودهما كما تلبي حاجة الإدارة الأمريكية لإشراك غيرها في تحمل المسؤولية في القضايا الدولية وتبعاتها وهو ما يجنب سياستها السخط الداخلي والدولي خاصة بعد سلسلة الإخفاقات التي جلبها الحزب الجمهوري في إدارته للقضايا الدولية خصوصاً ما عرف بالحرب على الإرهاب وما نتج عنه من تداعيات على منطقة الشرق الأوسط وعلى اقتصاد أمريكا والعالم. لذلك قدمت أمريكا دعماً لوجستياً وغطاءاً سياسياً دولياَ لفرنسا لضرب التنظيمات المقاتلة في شمال مالي بالإنابة عنها، وبرغم انه لا يوجد مزاحمة لأمريكا من قبل فرنسا وبريطانيا في الموقف الدولي إلا أن أمريكا لا تدخر جهدا في استغلال أوروبا لخدمتها وتحمل الأعباء عنها ، كما لا تفوت فرصة للكيد والتآمر على الدول الكبرى لإشغالها، ويمكننا أن نرصد تواطؤ روسيا وأمريكا في الأزمة السورية على إطالة أمد الصراع لجعل سوريا القريبة من أوروبا حاضنة للتنظيمات "المتطرفة" التي تمثل خطرا يقلق أوروبا ويورطها في مواجهة "الارهاب" خصوصا بعد عودة الذين قدموا للقتال من أوروبا إلى بلدانهم، فمن الملاحظ أن أمريكا سعت لإلقاء ملف المواجهة العسكرية مع "الارهاب" على عاتق أوروبا لتحمل تبعاته وتخفيف الضغط عن كاهلها خصوصا أنه أصبح لا يتناسب مع سياسة القوة الناعمة التي تنتهجها دوليا وهو ما دعاها لخداع فرنسا بدور دولي للتدخل عسكريا في شمال مالي، وبالتالي فإنه من المتوقع أن يطول الصراع في سوريا بوجود بشار أو غيابه عن الحكم لأن أمريكا سهلت ومولت عن طريق السعودية وقطر وتركيا والأردن وجود ما يقارب 80 ألف مقاتل أجنبي على الأراضي السورية فضلا عن آلاف المقاتلين الشيعة الأجانب الذين يساندون نظام الطائفة العلوية ما يعني أن الصراع سيستمر ما دام يعزز مكانة تركيا كدولة محورية في المنطقة ويؤهلها للعب دور في المنطقة وفي أوروبا لصالح أمريكا وسوف يطول الصراع ما دام يستنزف حزب الله والتنظيمات "الراديكالية" ويضغط على أوروبا للانخراط أكثر في ملف الإرهاب. وبهذا الصدد أدركت الدول الأوروبية أنه لا غنى لها عن تركيا في مهمة التصدي "للإرهاب" فسارعت لإحياء ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في الوقت الذي بدأت فيه تركيا التضييق على التنظيمات المقاتلة في سوريا لجني مكاسبها من الأزمة.

"وهذا يدل على أن الدول الكبرى متفقة على الخطوط العريضة لصياغة المنطقة ولا يوجد صراع بينهم على النفوذ ما دام الخطر والعدو في نظرهم هو الإسلام وأهل المنطقة..."

وأمريكا هي التي توجه الأحداث السياسية الدولية والإقليمية منفردة من خلال نفوذها في المؤسسات الدولية ومن خلال عملائها في المنطقة وبعض الأحزاب السياسية والشخصيات التي تفاهمت معها وأصبحت طرفاً فاعلاً في المشهد السياسي في الشرق الأوسط. والدول التقليدية الكبرى هي منفذة للمشاريع الأمريكية ومتفاهمة إلى حد كبير مع الولايات المتحدة في أغلب القضايا الدولية مع وجود تنافس في الجانب الاقتصادي، ولكن بخصوص النفط فإن هناك تفاهم بين الدول الكبرى على بقائه خارج سيطرة الدول المنتجة وبقاء التحكم بكمياته وأسعاره وإمداداته بيد الدول الرأسمالية الكبرى وعلى رأسها أمريكا، لأن النفط فوق كونه مصلحة حيوية للشركات الغربية العابرة إلا أن أهميته تتخطى القيمة المادية إلى المستوى الاستراتيجي والأمن الدولي لأنه يمثل عصب الحياة للدول، وبدونه تتعطل مصالح الأمم والشعوب. لذلك يرتبط النفط ارتباطا حتميا بالأمن القومي للدول الكبرى ورفاه شعوبها، ومن الغفلة التصور بأن الغرب يترك للدول المنتجة سيادة فعلية على مقدراتها النفطية والاستراتيجية، لهذا نجد حاليا مندوبين عن الحكومات الغربية في الوزارات السيادية في ليبيا مثلا، يتولون توجيه الصفقات التجارية ويراقبون أداء الحكومة بما يضمن مصالحهم بذريعة مهمات استشارية. كما يقومون بالتخطيط للقوى العلمانية المتمثلة بكتلة محمود جبريل الذي يدفع باتجاه علمنة الدولة الليبية وتقويض نفوذ التنظيمات الإسلامية المسلحة بالتواطؤ مع "أزلام النظام البائد" من خلال إذكاء العداوة بين القوى الثورية ذات الطابع الإسلامي وتأليب الناس عليها بإلصاق جرائم الاغتيالات والتفجيرات بالمحسوبين على التيارات الإسلامية، ومن جهة أخرى تحاول حكومة زيدان التابعة لكتلة جبريل تقوية وتلميع مليشيات مناطق الزنتان المتنافرة مع الإسلاميين لجعلها نواة لقوة عسكرية شرعية يتم استخدامها عند الضرورة للوقوف في وجه القوى الثورية الإسلامية. ولكن ما يعطل صياغة الوضع في ليبيا هو قوة التنظيمات الإسلامية المسلحة الخارجة عن الفلك الحكومي مثل ثوار مصراته. أما بشأن حادثة اختطاف رئيس الحكومة زيدان فتأتي للتغطية على تواطئ الحكومة على اختطاف أبو أنس الليبي على يد عملاء المخابرات الأمريكية في ليبيا وتسليمه للجيش الأمريكي، باعتبار أن الانفلات الأمني الذي تعاني منه ليبيا هو سبب الاختراق الخارجي للساحة الليبية بحيث أدى إلى اختطاف رئيس الحكومة ذاته من قبل مليشيات خارجة على القانون، وهذا من شانه أن يسلط الضوء على ضرورة بناء الجيش وإعادة بناء القوى الأمنية بمعايير وطنية لا حزبية أو مناطقية خصوصا مع ارتفاع الأصوات الشعبية المطالبة بنزع سلاح المليشيات بعد تكثيف عمليات الاغتيال والتفجيرات في مناطق مختلفة خصوصا في بنغازي التي تُستهدفْ التنظيمات الإسلامية فيها بالتشويه المقصود. وليس من المتصور أن تكون التنظيمات المسلحة وراء عملية الاختطاف لاعتبارات سياسية، لأنها مستفيدة أصلا من ضعف حكومة زيدان الذي تستغله لإعاقة مشروع إقصائها من التأثير في الحياة السياسية .

وليس من المتوقع أن يحسم الموقف السياسي في ليبيا في المدى المنظور ليس لوجود صراع دولي ولكن لتضارب المصالح بين القوى الثورية والسياسيين على نهب الأموال العامة السائبة وتقاسم السلطة وصياغة الدستور الذي يحدد هوية الدولة، والمؤسف أن القوى العلمانية هي وحدها من يملك مشروعا ورؤية سياسية لمستقبل ليبيا بينما تنكبُّ القوى الثورية المختلفة على جمع "غنائم الحرب" ولا تملك غير أجندات حزبية نفعية أو قبلية ضيقة، وأما الفدرالية التي يلوح بها أحمد الزبير السنوسي في إقليم برقة فلا تلقى قبول أغلب القوى الليبية ورفضها من قبل الحكومة والمؤتمر الوطني يدل على عدم جدية الأمر، ولو كانت جزءا من المخطط لليبيا لبحثت على مستوى القوى السياسية كلها وليس مجرد إعلان في وسائل الإعلام. ولكن التلويح بالفدرالية له دلالة على صعيد التهديد بمعاقبة مناطق الغرب الليبي والتنظيمات المسلحة إذا بقيت تعيق التقدم في صياغة النظام السياسي الذي دعت السفيرة الأمريكية في طرابلس إلى الإسراع في إيجاده خصوصا ما يتعلق بتحديد هوية الدولة، مؤكدة على الديمقراطية والدولة المدنية. وهذا يدل على أن الدول الكبرى متفقة على الخطوط العريضة لصياغة المنطقة ولا يوجد صراع بينهم على النفوذ ما دام الخطر والعدو في نظرهم هو الإسلام وأهل المنطقة، وهذا لا يعني أن الاسلام وأهل المنطقة لم يكونوا خطرا على الغرب في حقبة الصراع بين القوى العظمى، ولكن تبدل الموقف الدولي وانفراد أمريكا وتراجع الدول التقليدية الكبرى بالإضافة إلى العامل الأهم وهو تطلع الأمة الإسلامية للانعتاق والتحرر على أساس الإسلام في العقود الثلاثة المنصرمة هو الذي أفضى إلى تحول الصراع بين الغرب إلى تنافس وجعل الجهود الغربية تنصب على إبقاء المنطقة تحت الهيمنة الغربية بزعامة الولايات المتحدة.

أما الوضع في الأردن فإنه يتراقص على أوتار ما يجري في المنطقة من مستجدات على صعيد الإسراع أو الإبطاء بعملية الإصلاح، ولكن مضمون الإصلاح لا تغيير عليه لأنه لا ينفكّ عما سيفضي إليه المسار التفاوضي مع إسرائيل، وما يميز الحالة الأردنية أن "الإصلاح" يقوده على الحقيقة الملك عبد الله الثاني ملك الأردن ويعارضه قوى يطلق عليها الملك "قوى الشد العكسي" وتتمثل بفئة متنفذة في جهاز المخابرات ومواقع مختلفة في الدولة بالإضافة إلى شخصيات عشائرية تحظى بثقل مجتمعي وقادة كبار في مؤسسة المتقاعدين العسكريين. وقد صور الإصلاح بأنه مطالب شعبية في الحرية ومكافحة الفساد وتقليص صلاحيات الملك والولاية الفعلية للحكومة وإعادة توزيع السلطة من خلال تغيير نظام الانتخابات البرلمانية المتعلق بالدوائر الانتخابية ونظام الصوت الواحد بما يعكس الواقع الديموغرافي الحقيقي للسكان، ولكنه في الحقيقة استحقاق لعملية السلام وصياغة الشرق الأوسط ينادي به الملك على لسان المعارضة والحراك الجماهيري، وأبرز من يتبنى هذه المطالب هي جماعة الإخوان المسلمين وبعض قوى الحراك الشبابي والعشائري المهمش والذي يحظى بدعم ملكي في الخفاء إلى درجة أن الملك تدخل مرات عدة للإفراج عن معتقلي الحراك برغم تجاوزهم للخطوط الحمر أمنيا بل وتناول البعض منهم له شخصيا، بينما يحظى الحراك ومطالب الإصلاح الشامل بمعارضة خفية من أجهزة الأمن والمخابرات وبعض القوى العشائرية الإصلاحية التي ترفض توسيع التمثيل النيابي لمن يطلق عليهم "المكون الفلسطيني"، أما إعادة توزيع السلطة فتخدم توطين الاردنيين من "المكون الفلسطيني" ومساواته في الوظائف والحقوق السياسية والتعليم بباقي مكونات المجتمع وهو المطلب الذي قدمه عدد من السياسيين والكتاب إلى السفير الأمريكي في عمان مثل طاهر المصري وعدنان أبو عودة ورجائي الدجاني وعريب الرنتاوي وغيرهم وهذا أحد محاور الأزمة السياسية والتشظي في المواقف بين قوى وتيارات المجتمع. وقد استغل الملك رياح التغيير على المنطقة لأجل تمرير الإصلاحات بما يتلاءم مع مقتضيات التسوية مع اليهود لكنه وجد مقاومة عنيدة من قوى عشائرية ومتنفذين في الأجهزة الأمنية وضباط الجيش المتقاعدين ومن بعض من يطلق عليهم الحرس القديم من المسؤولين الذين تورطوا في قضايا فساد ويجدون في الإصلاح خطرا يهدد مصائرهم. فهم يرفضون تقليص صلاحيات الملك لضمان عدم تحكم قوى سياسية قد تتسلط عليهم بحكم الديمقراطية والشفافية في الانتخابات البرلمانية خصوصا إذا انتقل قطار التغيير إلى محطة متقدمة يصبح فيها الملك دستوريا محدود السلطات خصوصا في تعيين رئيس الوزراء وصلاحية حل البرلمان الذي طالما استعمل كسيف على رقاب النواب إن لم ينفذوا رغبات القصر التي غالبا ما تكون بإملاءات خارجية تخدم المصالح الغربية أو مصالح فئوية فاسدة.

والحقيقة أن إعادة توزيع السلطة في الأردن بما فيها صلاحيات الملك هو مطلب أمريكي وإسرائيلي يرعاه الملك شخصيا ويضعه في سلة الاصلاحات ليخدم مسار تصفية القضية الفلسطينية خصوصا بما يتعلق بملف اللاجئين الفلسطينيين الذين يمثلون نسبة كبيرة في الأردن ويلزم لتوطينهم إقرار الحقوق السياسية التي تجعل وجودهم في الأردن أبديا وليس مؤقتا وهو ما يستوجب توسيع تمثيلهم النيابي الذي يفتح الطريق أمامهم للمشاركة السياسية في السلطة. وقد وجدت هذه المطالب "الإصلاحية" مناخا ملائما يتقاطر مع آمال غالبية الناس في التغيير في ظل ما تشهده المنطقة من إعادة تشكيل. فاتخذ الملك من مكافحة الفساد رافعة "للإصلاح" الذي يخدم مسار تصفية القضية الفلسطينية لذلك تغاضت أمريكا عن تقديم الذهبي مدير المخابرات الأسبق صاحب الخدمات العظيمة لها في ملف الإرهاب كبش فداء على مذبح الإصلاح كما اشتغلت مراكز القوى الداعمة لمشروع "الإصلاح" على تشتيت الحراك من خلال الإيقاع بين الإخوان المسلمين وبعض العشائر للحد من عجلة الإخوان وشهيتهم للسلطة - قبل أن ينتكس مشروعهم في مصر - ومن أجل ضبط الإصلاح وقوى الحراك على إيقاع المجريات السياسية في مسار الأزمة السورية التي بانتهائها يتبلور مستقبل المنطقة. من هنا فإن الحراك في الأردن ليس إصلاحيا كما يتوهم كثير من الناس بل هو فرصة لتمرير تغييرات على نظام الحكم بما يتناسب مع مسار تصفية القضية الفلسطينية وفق التصور الأمريكي، وقد جرى استثمار "الربيع العربي" من قبل الملك الذي تمترس بالحراك الشعبي ومطالب الإصلاح لتبرير خذلانه للعشائر والقوى الأمنية ورموز الفساد والتخلي عنهم وعدم إسنادهم في الحفاظ على مكتسباتهم التي تعطيهم ميزة الاستئثار بالسلطة دون غيرهم من باقي المكونات الديموغرافية للمجتمع ومؤسساته، ولا شك أن التوجه العام للنظام في الأردن يسير في تيار الدول الإقليمية المعادية للدين ومظاهر التدين، وهو يعمل على إضعاف التيار الإسلامي المتمثل في الإخوان لكنه لا يملك بديلا عنه لاحتواء الحراك المطالب بتغيير حقيقي على أساس الإسلام، فليس من المرجح أن يصعد النظام ضد التيار الإسلامي برغم ما سيطال مؤسسات الحكم من تغيير لصالح قوى تقليدية محافظة، لأن التجربة في مصر وسوريا وليبيا تجعل من هذه الحركات ورقة يستفاد منها إن على صعيد الالتفاف على الحراك الجماهيري، أو باستخدامها فزاعة تهدد مصالح الغرب لكسب تأييده وتفادي السقوط، ومن المتوقع أن تظل جبهة الحراك هادئة في الأردن مع إبقائها حية من أجل إيقاظها عندما يقترب الحسم في قضية التسوية مع اليهود، فيتم إعادة إنتاج الحراك الجماهيري المطالب بالإصلاحات ليكون ظهيرا لما يراد تمريره من تغييرات تخدم في الحقيقة مخطط التسوية، فيقدم النظام تنازلا للحراك وهو تقليص صلاحية الملك لصالح رئيس حكومة منتخب برلمانيا بعد تغيير نظام الانتخاب بما يضمن تمثيلا يعكس الواقع الديموغرافي ويعبر عن المناخ السياسي الذي سيتم تكوينه ليصب في مخطط الشرق الأوسط الجديد، فيتحمل الشعب بكل مكوناته الديموغرافية وتياراته الفكرية والسياسية مسؤولية تصفية القضية والتنازل عن حق العودة والتوطين في الأردن والتعويض، فتكون الصيغة النهائية للتسوية تحظى بشرعية سياسية وشعبية بغض النظر عن شكل العلاقة بين الكيان الأردني والسلطة الفلسطينية.

إن ما يحصل في المنطقة العربية هو صراع إرادة بين الأنظمة التي دفعتها الانتفاضات الجماهيرية للدفاع عن مصيرها بعد تخلي السند الدولي عنها وبين إرادة شعوب المنطقة في التحرر والتخلص من الحكم الاستبدادي والفساد والفقر والكفر. لكن مصيبة هذه الأمة أنها تخوض كفاحها من أجل التحرر والانعتاق على قواعد الصراع التي فرضها الغرب وعملاؤه خاصة ربط شرعية الأنظمة الناشئة بالاعتراف الدولي لا بإرادة أهل المنطقة وهو ما جعل القوى السياسية الحاكمة والمعارضة بما فيها الإسلامية تهرول نحو الغرب لتحظى بقبوله واعترافه حتى لو كانت معايير الغرب لا تحقق مصالح الأمة بل وترهن مصيرها ومستقبلها بيده، بالإضافة إلى أن الغرب قيد الاحتجاجات الجماهيرية بالأسلوب الديموقراطي وبسقف لا يتجاوز المسيرات والمظاهرات وجعل الخروج عن سقف الاحتجاج السلمي يتحول إلى لعنة ودمار على البلاد والعباد والأخطر من هذا أن اغلب القوى السياسية ومنهم الإخوان قد اتخذوا من سياسة تأمين المصالح قاعدة في علاقاتهم مع الدول العظمى وطريقا لكسب ودّها وتجنب سخطها وقبلوا بقاعدة التوافق على الدستور مع القلة غير المسلمة من العلمانيين والنصارى وهو ما عطل إرادة الأغلبية المسلمة في وضع مبدئها ووجهة نظرها في الحياة موضع التطبيق وفرغ عملية التغيير من مضمونها وجعل انتصار الجماهير انتصاراً وهمياً وحصر إرادة الأمة بخيار واحد هو علمانية الحياة والدولة والمجتمع، وهذا ما أدخل مسار التغيير في المنطقة بالشلل والإحباط لأن إرادة الأمة وتطلعاتها تتجاوز السقوف الفكرية والسياسية التي وضعت لها من أعدائها بموافقة قادتها وممثليها. لذلك ليس من المنتظر أن يأتي النصر على أيدي هذه القيادات لخذلانها دينها وأمتها، ولكن من غير المتوقع أن تنجح أمريكا والغرب في تفصيل الشرق الأوسط على مقاس مصالحها لأن التعامل مع الأفكار ليس كالتعامل مع المعدات القتالية التي يتفوق الغرب فيها ويهزم خصومه، وليس التعامل مع الجماهير المؤمنة كالتعامل مع الأنظمة الخائنة حتى يتم شراؤها وتوظيفها للحفاظ على مصالحه. كما أن عقيدة الأمة الإسلامية ليست باطلاً حتى ينبذها الناس ويستبضعوا غيرها. وهذه الانتفاضات وإن جرى توظيفها لحرف الأمة عن غايتها إلا أن الباطل زائل والحق باق. فالأمة أدركت أن السلطان لها وهي تقرر من يحكمها، وهي تدرك أن الإسلام مصدر عزتها وقوتها فاتخذته قضية مصيرية بذلت من أجله المهج والارواح وضحت بالأموال والأولاد فلا بد أن تضعه موضع التطبيق، كما أدركت أن الغرب هو عدوها وأن الحكام هم عملاؤه وأدواته المسلطة على رقبتها وهم العثرة أمام تطبيق شريعتها فسوف تقيم دولتها على أنقاض عروشهم. والأمة اكتشفت قوتها ومارست إرادتها برغم التآمر عليها وتشويه وعيها ومحاولة إجهاض مشروعها الذي انطلق ويتقدم بخطى ثابتة ويتأهب لمرحلة الحكم. ومن الثابت أن الخوف قد مات في الأمة ولم نر ميتا يقوم من مماته وهو ما يحيي أمل التحرر والنهوض فينا، ولم يعد ينقص هذه الأمة غير قيادة واعية مخلصة تقودها نحو غايتها وإقامة دولتها واقتعاد مكانتها العظمى بين الأمم وليس ذلك ببعيد بإذن الله.